الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ وبعد.
إلى العاملين من أجل استئناف حياة إسلامية راشدة ..!
إلى الذين يحدوهم الأمل لغدٍ مُشرق ..!
إلى من يحرص على الارتواء من معين المصطفى r الطاهر الذي لا ينضب عطاؤه وخيره!
إلى من ينشد الاقتداء بالنبي r .. والسير على دربه ونهجه!
إلى الذين يسألون عن المنهج والطريق ..!
إلى الذين يفرقون بين السُّنَّة والسيرة .. فيأخذون بالسنة ويدعون العمل بالسيرة!
إلى الذين يزعمون أنهم سلفيون وأثريون .. وأنهم على نهج النبي r وسنته .. وهم ليسوا كذلك ..!
إلى الذين يهون عليهم العيش في السهول .. وبين الحفر .. ويستصعبون العيش في الجبال .. والارتقاء إلى القمم العوالي ..!
إلى الذين يستثقلون النهوض بالواجب .. ويستعذبون الموت أحياء في المقابر الجماعية .. التي يعدها لهم الظالمون .. ويخشون الموت مقبلين غير مدبرين!
إلى الذين أصبحت العزة بالنسبة لهم حكايات وقصص تُروى عن الأجداد .. لا يعرفون من طعمها ولونها وواقعها شيء!
إلى هؤلاء جميعاً وغيرهم نقول: هكذا كانت حياة قائدنا .. وأسوتنا .. ومعلمنا .. النبي الهادي محمدٍ r .. فهل أنتم مقتدون ومتبعون ؟!
لنلقِ جميعاً نظرة ـ ولو سريعة ـ على بعض جوانب حياة وسيرة هذا النبي العظيم .. كيف كانت وعلى أي نهج مضت .. لنستنبط منها الدروس والعبر .. ونقتفي الآثار .. ونسير على الطريق .. ونهتدي بنور سنته وسيرته r .. وما أحوجنا لذلك وبخاصة في هذه الحقبة من الزمن التي تكالبت فيها أمم الكفر والإلحاد على أمة الإسلام.
في المرحلة المكية بعد أن أوحى الله تعالى إليه بالرسالة وأمره بالبلاغ .. نجد جهداً متواصلاً .. وحركة دؤوبة لا تعرف السكون ولا الكلل ولا الملل .. وقلقاً وهمَّاً .. وصدعاً بالحق .. وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر .. وتضحية وفداء .. وبلاغاً وإنذاراً .. وتحملاً شديداً لجميع صنوف
الأذى والبلاء .. وثباتاً فريداً على العقيدة والتوحيد والمبدأ .. صلوات ربي وسلامه عليه!
تُعرض عليه الدنيا وكل ما يمكن أن يصبو إليه مخلوق من ملك ومتاع .. لا من أجل أن يُمسك عن جانب الدعوة إلى الحق .. بل من أجل أن يُمسك عن تعرية باطلهم وشتم آلهتهم .. وأصنامهم .. وطواغيتهم .. لكن يأبى النبي r إلا أن يصدع بالحق كاملاً كما أوحاه الله تعالى إليه .. ويأبى إلا أن يأطرهم إلى الحق كاملاً من غير انتقاصٍ ولا اجتزاء!
قالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا .. ووقع في آلهتنا .. فانهه عنا!
قال أبو طالب: يا محمد إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم!
فحلَّق رسول الله r ببصره في السماء، فقال:" أترون هذه الشمس ؟" قالوا: نعم، قال:" فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تُشعلوا منها بشعلة "!!
قالوا: فرَّقت جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وعبت ديننا وآلهتنا، وفضحتنا في العرب .. وكفّرت من مضى من آبائنا .. إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا .. وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشراً ..؟!
فقال رسول الله r:" أفرغت "، فقال: نعم، فقرأ رسول الله r:) حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( حتى بلغ ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (.
فقال عتبة بن ربيعة: حسبك ما عندك غير هذا ؟!
قال r: لا!
هذا هو نبينا r .. وهذا هو موقفه .. فأين دعاة الحفاظ على المصالح والمكاسب المزعومة من ذلك ـ وما أكثرهم في زماننا ـ ما إن يرمي لهم الطاغوت قليلاً من الفُتات .. والعظام المجردة عن لحومها .. إلا وتراهم يتمسكون بها ويعضون عليها بالنواجذ ويؤثرونها ـ كمكاسب ومصالح ـ على العقيدة .. والتوحيد .. والمبادئ الكلية لهذا الدين!
من أجل راتب شهري يتقاضونه من الطاغوت .. يسكتون عن بيان الحق .. ويُداهنون ويجاملون .. ويوالون!
ما أن يقترب الطاغوت منهم ذراعاً إلا ويقتربون منه مائة ذراع .. وما أن يُغازلهم بطرف من العين .. إلا ويُغازلونه بالعينين معاً .. وبالأشعار .. والمدائح .. وفنون الإطراء .. ثم هم بعد كل هذا الافتراء يقولون ـ ظلماً وعدواناً ـ: نحن سلفيون وأثريون .. وعلى نهج وسنة المصطفى
r سائرون!!
لم يقتصر فعل المشركين وإجرامهم في الصد عن الحق .. وإيقاف الدعوة .. على المساومة والإغراء .. فهم ما إن تيقن لهم فشل المساومة وما عرضوه على النبي r من إغراء ومتاع .. إلا ونفوسهم الخبيثة الأمارة بالسوء تحملهم على التجرؤ والتطاول بصنوف من العدوان والأذى والشر .. على سيد الخلق r .. ظناً منهم أن ذلك قد يُجدي لهم مأرباً!!
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحِجر، فذكروا رسول الله r فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفَّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسبَّ آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم ..!
فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله r فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرَّ بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مرّ بهم غمزوه ببعض ما يقول ـ أي استهزأوا به مرددين بعض قوله وكلامه ـ قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مرَّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ..!
فقال لهم:" تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح[[1][1]]"، فأخذت القومَ كلمتُه، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع ..!
قال: فانصرف رسول الله r حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عن














